٠٩‏/٠٢‏/٢٠٢٦، ١٠:٤٥ ص

لماذا ينبغي لجيران إيران أن يقلقوا بشأن أي هجوم عليها؟

لماذا ينبغي لجيران إيران أن يقلقوا بشأن أي هجوم عليها؟

الأمن في غرب آسيا مصلحة جماعية، ولا يُمكن تعريفه بمعزل عن غيره. إن إضعاف إيران أو مهاجمتها لا يضمن أمن أي دولة، بل يُعرّض الجميع للخطر. حتى الدول التي تُكنّ خلافات سياسية عميقة مع طهران يجب أن تُدرك الحقيقة الاستراتيجية المتمثلة في أن مهاجمة أحد أهم ركائز التوازن الإقليمي لا يصب في مصلحة أحد.

وكالة مهر للأنباء: غالباً ما يُطرح نقاش احتمال شنّ الولايات المتحدة هجوماً عسكرياً على إيران على أنه نزاع ثنائي، وكأن القضية محصورة بين طهران وواشنطن. هذا التصوير ليس ناقصاً فحسب، بل مُضلل أيضاً. فالحقيقة أن إيران اليوم تُعدّ إحدى الركائز الأساسية للتوازن الأمني في غرب آسيا، وأي هجوم على هذه الركيزة ستكون له عواقب تتجاوز حدود إيران. إذا تجاهلت دول المنطقة، ولا سيما جيران إيران، هذه الحقيقة، فقد تجد نفسها قريباً في قلب أزمة لم تكن هي من بدأها، لكنها ستصبح ضحية مباشرة لها.

على مدى العقود الأربعة الماضية، أصبحت إيران فاعلاً يُعاد النظر في دوره في المعادلات الإقليمية من قِبل مؤيديها ومعارضيها على حد سواء. هذا الدور ليس مجرد نتيجة للقوة العسكرية، بل هو أيضاً نتاج لموقعها الجيوسياسي، وشبكات نفوذها الإقليمية، وقدرتها على الردع متعدد المستويات. إن مهاجمة مثل هذا الفاعل سيخلق فراغاً خطيراً في منطقة تعاني أصلاً من نقص آليات الأمن الجماعي.

إن مهاجمة مثل هذا الفاعل سيخلق فراغاً خطيراً في منطقة تعاني أصلاً من نقص آليات الأمن الجماعي.

انتشار انعدام الأمن وانهيار حدود السيطرة على الأزمات

إن أولى وأهم تبعات أي هجوم على إيران هي انتشار انعدام الأمن في جميع أنحاء المنطقة. وقد أظهرت تجارب الحروب السابقة في العراق وسوريا واليمن أنه لم تعد هناك أزمة محلية في غرب آسيا. فالترابط الجغرافي، وتنوع الجهات المسلحة الفاعلة، وضعف الدول القومية، كلها عوامل تعني أن أي صدمة أمنية ستنتشر بسرعة إلى الدول المجاورة.

لن يكون الهجوم على إيران بدايةً لصراع محدود ومُسيطر عليه. فحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلاً، سيُفعّل هذا العمل سلسلة من ردود الفعل التي قد تشمل الخليج الفارسي والعراق وجنوب القوقاز وآسيا الوسطى وشرق البحر الأبيض المتوسط. وتتأثر طرق الشحن والتجارة العالمية بسرعة، وتواجه الدول التي ظنت أنها ستبقى مجرد متفرجة أزمات اقتصادية واجتماعية وأمنية.

بالنسبة لجيران إيران، لا يُعدّ انعدام الأمن هذا مجرد مفهوم نظري. فالحدود الطويلة، والروابط العرقية والدينية والاقتصادية، ووجود جهات مسلحة غير حكومية، كلها عوامل تعني أن أي حالة عدم استقرار في إيران أو ضدها يمكن أن تنتقل مباشرة إلى هذه الدول. لا يمكن لأي جدار سياسي أو أمني أن يوقف هذا التفاقم.

إيران كحاجز أمام توسع العدوان الإسرائيلي

من أهم الأسباب التي تدعو دول المنطقة للقلق من مهاجمة إيران هو دورها الرادع ضد إسرائيل. ففي السنوات الأخيرة، أظهرت إسرائيل استعدادها لتوسيع نطاق عملياتها العسكرية دون تكبّد تكاليف إقليمية باهظة. وتُعدّ الهجمات المتكررة على سوريا ولبنان وغزة، وحتى على أهداف في العراق واليمن، دليلاً على هذا النهج.

لطالما شكّلت إيران، بشبكة حلفائها وقدراتها الردعية المباشرة وغير المباشرة، أحد أهم العقبات أمام إسرائيل لتصبح القوة العسكرية المهيمنة في المنطقة. إن إضعاف هذا الحاجز يبعث برسالة إلى إسرائيل مفادها أن تكلفة أعمالها العدوانية قد انخفضت، وأنها قادرة على التحرّك بجرأة أكبر.

من سيكون الهدف التالي بعد إيران؟ هذا سؤال ينبغي على دول المنطقة أن تطرحه على نفسها بصدق. يُظهر التاريخ أن إسرائيل لا تتقيد بالحدود الجغرافية أو الالتزامات السياسية للآخرين إذا شعرت بأن ميزان القوى قد مال لصالحها. قد تجد الدول التي تعتقد اليوم أن إضعاف إيران يصب في مصلحتها الأمنية نفسها على قائمة الأهداف التالية غداً.

فراغ السلطة وعودة الفوضى العارمة

إيران ليست مجرد قوة عسكرية، بل هي إحدى القوى الإقليمية القليلة القادرة على إدارة الأزمات واحتوائها. في العديد من القضايا الإقليمية، بدءًا من محاربة داعش وصولًا إلى استقرار الحكومات المركزية، لعبت إيران دورًا اضطر حتى خصومها للاعتراف به.

ضعف إيران يعني فقدان أحد الفاعلين القلائل القادرين على مواجهة الشبكات المتطرفة العابرة للحدود. وسرعان ما يمتلئ الفراغ الناتج عن هذا الضعف بعناصر تخريبية، جماعات لا تعترف بالحدود ولا تُبالي بالمصالح الوطنية لدول المنطقة. ويُعدّ عودة موجة جديدة من التطرف والإرهاب والحروب بالوكالة أحد السيناريوهات الأكثر ترجيحًا.

يتعين على دول المنطقة التي لم تتعافَ بعد من آثار داعش والحروب الأهلية أن تسأل نفسها إن كانت تمتلك القدرة على مواجهة مثل هذه الموجة الجديدة. وقد أظهرت التجارب السابقة أن تكلفة احتواء هذه الأزمات أعلى بكثير من تكلفة منع اندلاعها.

الاقتصاد الإقليمي على حافة صدمة كبرى

غالباً ما يُستهان بالبعد الاقتصادي لهذه القضية، مع أنه بالغ الأهمية لدول المنطقة. فإيران تُعدّ مركزاً محورياً في شبكة نقل الطاقة والتجارة الإقليمية. وأي هجوم أو اضطراب واسع النطاق في إيران من شأنه أن يُؤجّج أسواق الطاقة بسرعة، ويرفع أسعار النفط والغاز، ويُشكّل ضغطاً على اقتصادات المنطقة الهشة.

قد تستفيد الدول التي تعتمد على عائدات الطاقة من ارتفاع الأسعار على المدى القصير، لكنها ستواجه على المدى المتوسط انخفاضاً في الطلب، وركوداً عالمياً، وارتفاعاً في تكاليف الأمن. إضافةً إلى ذلك، ستصبح الممرات الحيوية، مثل مضيق هرمز، شديدة الهشاشة، وأي اضطراب فيها قد يُؤدي إلى عواقب وخيمة على الاقتصادين العالمي والإقليمي.

اعتماد خطير على جهات فاعلة عابرة للأقاليم

من تبعات الهجوم على إيران أيضاً ازدياد اعتماد دول المنطقة على قوى عابرة للأقاليم. فعندما يختل توازن القوى في المنطقة، تُجبر الدول على الاعتماد بشكل متزايد على الولايات المتحدة أو جهات خارجية أخرى لتأمين أمنها. لا يُضعف هذا الاعتماد استقلالها السياسي فحسب، بل يُحوّلها أيضًا إلى ساحة تنافس بين القوى العظمى.

أثبتت التجارب أن القوى الخارجية تُفضّل مصالحها على كل شيء، وتتخلى بسهولة عن حلفائها السابقين إذا ما تغيرت الأولويات. إن الدول التي تُؤسس أمنها على هذا الأساس تُعرّض نفسها في الواقع لمستقبل غير مستقر.

مسؤولية إقليمية مشتركة في مواجهة كارثة كبرى

الحقيقة أن الأمن في غرب آسيا مصلحة جماعية، ولا يُمكن تعريفه بمعزل عن غيره. إن إضعاف إيران أو مهاجمتها لا يضمن أمن أي دولة، بل يُعرّض الجميع للخطر. حتى الدول التي تُكنّ خلافات سياسية عميقة مع طهران يجب أن تُدرك الحقيقة الاستراتيجية المتمثلة في أن مهاجمة أحد أهم ركائز التوازن الإقليمي لا يصب في مصلحة أحد.

إن المسار العقلاني لدول المنطقة ليس تشجيع الصراع، بل محاولة احتواء التوترات والتحرك نحو آليات الأمن الإقليمي. لقد أظهرت تجارب العقود الماضية أنه في كل مرة دُفعت فيها المنطقة نحو الحرب والتدخل الأجنبي، دفع الجميع الثمن.

/انتهى/

رمز الخبر 1968242

سمات

تعليقك

You are replying to: .
  • captcha